السيد محمد محسن الطهراني
144
أسرار الملكوت
وجوب الاستنابة في صلاة الطواف عند عدم القدرة على المباشرة ، والحال أنّ التكليف الإلهي لهذا الشخص هو الإتيان بالصلاة العاديّة بالنسبة له وبالكيفيّة المتاحة والمتمكّنة فعلًا لديه ؟ وهو ما يؤدي بالحاج إلى الاضطراب والخوف من بطلان صلاته وترتّب عواقب البطلان عليه ، ويحسّ بالخسران والضياع جرّاء ذلك مما يضطرّه للجوء إلى أيّ وسيلة لرفع هذا المحظور ، فيقوم الأشخاص الذين ينتهزون الفرص بأخذ مبالغ معتدّ بها لينوبوا عنه في صلاة الطواف ، ويمنحون بذلك العبادات والأعمال التعبديّة « صفاء » معاملات السوق وتجاذباته ! ( 1 ) وهناك مسألة أخرى في أعمال الحجّ هي مسألة الطواف حول بيت الله ، وكما ورد في الأخبار والروايات فقد دلّت على أنّه يجب على الحاج أن يبدأ في طوافه حول الكعبة من اليسار ، بمعنى أن تكون حركته بدءاً من الحجر الأسود باتجاه باب الكعبة ثمّ حجر إسماعيل وهكذا حتّى يصل مجدّداً إلى الحجر الأسود ، وهذا يستدعي أن تكون الكعبة حين الطواف على يسار الحاج ، ويستمر على هذا المنوال حتّى يُتمّ الشوط السابع . وقد ورد في
--> ( 1 ) أذكر أنّي ذهبت يوماً مع المرحوم الوالد رضوان الله عليه إلى منزل طبيب عيونه ؛ الصديق المحترم الدكتور الحاج السيّد حميد سجّادي وفّقه الله لمرضاته ، وأثناء الكلام انجرّ الحديث إلى بعض الاحتياطات التي يُعمل بها في غير محلّها ، وتكرار الأعمال الموجبة لتشويش الخاطر وإيجاد الشكّ والترديد في صحّة العبادة ، فذكر بالمناسبة قصّة جرت معه في سفر حجّه الواجب ، وهي قصّة مؤسفة جداً تكشف عن كيفيّة بيان الأحكام من قبل مرشدي الحملات ، بحيث تأثّر منها وتألم جميع من كان في ذاك المجلس . فقد قال : كنّا مضطرّين إلى إعادة كلّ عمل أكثر من مرّة حتّى يحصل لنا اليقين بصحته ، وذلك بسبب تشكيك الشيخ الذي كان معنا في الحملة ، ومن جملة الأعمال التي أعدناها ؛ صلاة طواف النساء ، حيث أعدتّها سبعة عشر مرّة ، وقد تملّكني الاضطراب والخوف الشديد ، حتّى أنّي لم أفهم كيف حججت ، ومن أين بدأت وأين انتهيت ، وقد ترك عمل هذا الشيخ أثراً سيئاً في نفسي حتّى عدت من هذا السفر كارهاً للحجّ متنفّراً منه ، وأخذت على نفسي عهداً أن لا أعود إلى مكّة ما دمت حيّاً ، وفي النهاية قلت لذاك الشيخ : سوف آخذك في يوم القيامة إلى جدي رسول الله وأقول له إذا كان الحجّ واقعاً كما علّمنا إيّاه هذا الشيخ فأنا أتراجع عن هذا الدين وأتبرّأ منه ، وإذا كان الواقع خلاف ما علّمنا إيّاه ، فإنّي أريد الاقتصاص من هذا الشخص الذي نفّرني من الحجّ وكرّهني به . وكان أثناء كلامه متأثّراً ومضطرباً كثيراً بحيث أشار عليه الوالد بيده أن لا يتابع كلامه . وعندما خرجنا من منزل الدكتور سجّادي ، نظر إليّ المرحوم الوالد رضوان الله عليه وقال : انظر ماذا يفعل هؤلاء المشايخ بدين الناس ؟ ! وكيف يكرّهون الناس بدينهم ، بواسطة إعمال بعض الاحتياطات في غير محلها ؟ ! وذاك الحجّ الذي ينبغي أن يخرج الحاجّ منه بطعم حلو وانبساط القلب وانشراح الصدر ، والموجب للشوق والرغبة بالعودة مجدّداً إلى الحرم الإلهي ، صار بالنسبة إليهم كالسم القاتل ، وصاروا يصوّرونه للناس كغول مفزع وبعبع مهيب موجب للتنفّر والانزجار ، بحيث لا يعود لدى أحدهم الجرأة في تكرار هذه الفريضة الكبرى ، كما قال الدكتور : لن أذهب إلى العمرة ولا إلى الحجّ أبداً . نعم ، لا يخفى أنّ الحقير قد ذكر له بعد مدّة وأثناء كلامنا عن تسامح الشريعة الإسلاميّة وسهولتها حقيقة المسألة ، وأثبتُّ له بالأدلّة أنّ تصرّف مرشد الحملة كان باطلًا مائة بالمائة وهو بخلاف السنّة وما عليه زعماء الدين ، والله تعالى لا يرضى أبداً بهذه الأعمال وهذه الإرشادات ، وأنه لو تشرّفنا معاً للسفر إلى الحجّ أو العمرة سوف ترى كم هو لذيذ وممتع هذا الواجب ، وكم سيوجب لك من طمأنينة ورقيٍّ في الروح ، بحيث سيولّد لديك الشوق في كلّ سنة لرؤية بيت المحبوب وملاقاة الجلوات المخصوصة للحجّ ، ولن تقتصر على عدم الشعور بأيّ نوع من الاضطراب والتشويش فقط ، بل سوف تشعر دائماً بحالة من البهجة والسرور وتتمنّى الحضور في تلك الأماكن بشكل أوفر . وللأسف حتّى الآن لم يوفّق الحقير للتشرّف بالسفر بمعيّة الصديق المحترم ، رزقنا الله جميعاً الوفود إلى بيته الكريم على ما هدانا الله وهدانا رسوله والأئمّة المنتجبون عليهم السلام ، آمين .